حوادث وقوارع توقظ قلوباً غافلة

يحسُنُ التذكيرُ وتجدُر المحاسبَة حينَما تكون المناسبةُ، وها أنتم في مفتَتَح عامٍ، وقد ودّعتم عامًا قبلَه، وعامُكم المنصرِم جرَت فيه أحداثٌ وتجلّت فيه آيات، ولكنَّ الغفلةَ والركون إلى الأسباب والتعلّقَ بها تغلِّظ من قساوةِ القلوب•يذكر الرّاصِدون ويتحدَّث الإحصائيّون عن تكاثُرِ المتغيِّرات الكونية على هذه الأرض وتتابُع الحوادث والكوارث في هذا العصرِ، ويقولون: إنّه كلّما تقدَّمت السنون زاد عدَد الزلازل والغِيَر وأنواع الكوارث والمثُلات•ولعلَّ المتأمِّلَ والناظر بعينٍ راصدة وقلب يَقِظ يحاول أن يسترجعَ بعضَ هذه الآيات والحوادِثِ والكوارث والنّذُر ليجدَها ما بين موجٍ عاتٍ وماءٍ طاغٍ وخسفٍ مهلِك وزلزال مدمِّر ووباءٍ مميت، يرسل الله الجرادَ والقمَّل والضفادع والدمَ والطيور بأمراضها والأعاصيرَ برياحها والفيَضانَات بمائِها، في آياتٍ مفصّلات، أمراضٌ مستأصِلَة وأوبِئَة منتشِرة تحملها طيورٌ وتنقلها حيوانات، لا يملِك أحدٌ ردَّها، ولا يستطيع أحدٌ صدَّها ولا السيطرةَ عليها مهما أوتيَ مِن علم في مكتشفاتِه ومختبراته ومخترَعاته وراصداته، لا يملك السيطرةَ عليها ولا الحدَّ من انتشارِها ولا دفعها أو ردَّها، إنها جنودٌ من جنودِ الله في البرّ والبحر والجوّ، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) [المدثر: 31]•جنودٌ غير متناهِيَة؛ لأنَّ قدرةَ الله غير متناهية، فالكون كلُّه بإنسِه وجنّه وأرضِه وسمائه وهوائه ومائِه وبَرّه وبحره وكواكبه ونجومِه وكلِّ مخلوقاته ما علِمنا منه وما لم نعلَم كلُّها مسخَّرة بأمرِه، سبحانه يمسك ما يشاء عمّن يشاء، ويرسل ما يشاء إلى من يشاء، وكيف لا تُدرَك عظمةُ الجبار جلّ جلاله وضَعف جبابرة الأرض مهما أوتُوا من قوّة؟! كيف لا تدلُّ على عظمَةِ الجبّار ومنها ما يهلِك أممًا ويدمِّر ديارًا في ثوانٍ وأجزاء من الثواني، ومنها ما ينتقِل عبرَ الماء، ومنها ما يطير في الهواء، ومنها ما يُرى، ومنها ما لا يُرى؟! نُذُر وآيات وعقوباتٌ وتخوِيفات، لا تدفعها القوى، ولا تطيقها الطّاقات، ولا تقدر عليها القدرات، ولا تتمكَّن منها الإمكانات، ولا تفيد فيها الرّاصِدات ولا التنبّؤَات، ولا تصِل إليها المضادّاتُ ولا المُصِدّات، من حيث يحتسِبون ولا يحتَسِبون، (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ* أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [النحل: 45 - 47]، (أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً) [الإسراء: 68]، (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ* أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) [الملك: 16 – 18]•إنها آياتُ الله وأيّامه، تظهر فيها عظمةُ ذي الجلال وقُدرته وقوّته وعظيم سُلطانِه وعِزّته وتمامُ ملكه وأمرِه وتدبيره• إنَّ هذه الحوادثَ والقوارع توقِظ قلوبًا غافلة؛ لتراجعَ توحيدها وإخلاصَها، فلا تشرِك معه في قوَّتِه وقدرته وسلطانِه أحدًا، ويُفيق بعض من غرَّتهم قوّتهم، فيتذكَّرون أنَّ الله الذي خلَقَهم هو أشدّ منهم قوّةً، وبخاصّةٍ أولئك المستكبرين ممن غرَّتهم قوَّتهم وطال عليهم الأمَد، فرِحوا بما عندهم من العِلم، ولقد قال الله في أقوامٍ سابِقين: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [فصلت: 15]، وقَالَ في آخَرين: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ* فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون* فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) [غافر: 82 – 85]•ومن مواقفِ العِبَر والادِّكار في هذهِ الآياتِ والنّذُر ما يرسِل الله فيها من التخويفِ والتّحذير كما قال سبحانه: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً) [الإسراء: 59]، وقوله في كسوفِ الشمس وخسوفِ القمر: “إنهما آيتَانِ من آيات الله، يخوِّف الله بهما عباده”•فكَم من إنسانٍ يرَى آحادَ الناسِ مِن حولِه يُتَخَطّفون ويُقتَلون ويَقرَأ آياتِ الله لكنّه لا يعتبر، فإذا ما رأى مِن هذه الآياتِ الكِبار المخوِّفات تذكَّر وادَّكر، فهي ذِكرى لمن كان له قلب، يستوي في ذلك من حضَرها ومَن شاهدَها ومن وَقع فيها ومن نَجا منها ومن سَمِع بها؛ أعاصيرُ وزلازل وفيضانات وانهيارات وأوبِئة وأمراض من آيات الله وجنودِه، تذكِّر الغافلين وتنذِر الظالمين وتوقِظ المستكبرين ويَعتَبر بها المؤمنون ويرجِع بها المذنبون•انظروا إلى هدي نبيِّكم محمّد وخوفه من ربِّه مع أن الله سبحانه وتعالى قد جعَله أمَنَةً لأصحابه، (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) [الأنفال: 33]، ومع هذا كان إذا هبّت الريح الشديدةُ عرِف ذلك في وجهِه ، وحين ينعقد الغَمام في السماء ويكون السّحابُ ركامًا يُرَى عليه الصلاة والسلام يقبِل ويُدبِر ويدخل البيتَ ويخرج، فتقول عائشة رضي الله عنها: ما بك يا رسول الله؟! فيقول: “ما يؤمِّنُني أن يكونَ عذابًا، إنَّ قومًا رأوا ذلك فقالوا: هذا عارِضٌ ممطرنا، فقال الله: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الأحقاف: 24]• حتَّى إذا نزَل المطر سرِّيَ عنه•ومن المواقفِ في هذه الآياتِ والابتلاءاتِ: ما يفتِن الله بهِ عبادَه القادرين الموسِرين، فيَنظرَ كيف يعملون: هل ينفِقون من مال الله الذي آتاهم؟ وهل يسارِعون في إخوانهم أم تراهم يقبِضون أيدِيَهم ينسَون ربَّهم وينسَون إخوانهم ويعيشون في غَفلَتِهم؟ وفي هذه الابتلاءاتِ حَدّث ولا حرج من أنواع الإغاثات التي يبذُلها الموفَّقون من غذاءٍ وكساء وعلاج وتعليم ومأوى وأنواعٍ من المساعدات والمواسَاة، لا تقَع تحت حصرٍ من حُسن معامَلَة وشفقة وإحسانٍ في القول والعمل، ومن رحم أهلَ الأرض رحِمَه ربُّ السماء، فلِلَّه الحكمة البالغةُ في خلقه وأمره وتدبيره وصُنعه وفي آياته وابتلاءاته•وهذه الآيات والحوادث والكوارثُ ولو عُرِفت أسبابها المادّيّة وتفسيراتها العِلمية فلا ينبغي أن يُظَنَّ أن هذا صارفٌ عن كونها آياتٍ وتخويفات والنّظرِ في ما وراء الأسبابِ والتعليلات من أقدارِ الله وحُكمِه وحِكمَته، فهي آيات الله ومَقَادِره، يقدِّرها متى شاء، ويرسلها كيف شاء، ويمسِكها عمّن يشاء، يعجزُ الخلق عن دفعها ورفعها مهما كانت علومهم ومعارِفهم وقواهم واحتياطاتهُم واستعداداتهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فإذا كان الكسوفُ له أجَلٌ مسمّى لم ينافِ ذلك أن يكونَ عند أجَلِه يجعله الله سببًا لما يقتضيه من عذابٍ وغيره لمن يعذِّب الله في ذلك الوقت، أو لغيره ممّن ينزل الله به ذلك، كما أنَّ تعذيبَ الله لمن عذّبه بالريح الشديدةِ الباردة كقوم عادٍ كانت في الوقت المناسب، وهو آخر الشتاء كما ذكر ذلك أهلُ التفسير وقَصص الأنبياء• – قال رحمه الله -: “وكذلك الأوقاتُ التي ينزل اللهُ بها الرحمةَ كالعشرِ الآخرة من رمضان والأُوَل من ذي الحجة وكجوفِ الليل وغير ذلك هي أوقاتٌ محدَّدة، لا تتقدّم ولا تتأخّر، وينزل فيها من الرحمةِ ما لا ينزل في غيرها” انتهى كلامه• وقال مثلَ ذلك وقرّرَه الإمامُ ابن القيّم في مفتاح دارِ السعادة•وإنَّ مما يُخشَى أن يكونَ الركونُ إلى التفسير المادّيّ والاستكانةُ إلى التحرير العِلميّ والبعد عن العِظَة والذكرى من تزيينِ الشيطان، كما في قوله سبحانه: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 43]•عياذًا بالله تهتزّ البِحار وتتصدَّع الجبال ولا تهتزّ القلوب؟! وترتجف الدّيار ولا ترتجف الأفئدة؟! وتعصِف الرياح ولا تعصِف النفوس؟! وتتزلزَل الأرض ولا يتزلزل ابنُ آدم المخذول؟! يبتَلَون ويفتَنون في كلِّ عام مرّة أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون•إنَّ من تأمَّل أحوالَ بعض الناس ومواقفَهم ومسالكهم رأى أمورًا مخيفة؛ فيهم جرأةٌ على حرماتِ الله شديدة، وانتهاك لحرمات الله عظيمة، وتَضييع لأوامره، وتجاوزٌ لحدوده، وتفريطٌ في المسؤوليات في العباداتِ والمعاملات وإضاعةِ الحقوق، فالحذَرَ الحذر رحمكم الله مِن مكر الله، (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف: 99]•